” التوقيت وزمن القرار “
بقلم 🖋 خالد مصطفى
العامل الحاسم الذي لا ننتبه إليه كثيرًا ،
ليس كل قرارٍ غير موفق ناتجًا عن فكرة خاطئة، كما أن الخسارة لا تعني بالضرورة الفشل.
في كثير من التجارب الإنسانية، تكون المشكلة الحقيقية كامنة في عنصر واحد غالبًا ما نُهمله: التوقيت.
فأن تُقدِم على الفعل الصحيح في اللحظة غير المناسبة، قد يكون كافيًا لإهدار حصيلة أعوام من الجهد.
وقد أثبتت الخبرة الحياتية أن النجاح لا يُكافئ دائمًا الأسرع ولا الأكثر اندفاعًا، بل يكافئ من يمتلك القدرة على قراءة اللحظة واختيار التوقيت الأمثل.
فالوقت، رغم كونه عنصرًا غير مرئي، إلا أن أثره يفوق أحيانًا أثر التخطيط وحُسن النية معًا.
في سياق اتخاذ القرار، يمثّل التوقيت الحدّ الفاصل بين الحكمة والتهور.
فالقرار ذاته حين يُتخذ تحت ضغط نفسي أو ارتباك داخلي، يختلف جذريًا عن القرار الذي يُتخذ في حالة من الاتزان والوضوح.
وهناك قرارات إن استعجلناها أضرت بنا، وإن بالغنا في تأجيلها خلّفت شعورًا دائمًا بالندم.
وتكمن المهارة الحقيقية في معرفة متى نفكّر، ومتى نحسم، ومتى نؤجّل دون أن نُحمّل أنفسنا شعورًا غير مبرر بالذنب.
أما في العلاقات الاجتماعية، فالتوقيت هو الصانع الأول للانطباعات.
كلمة صادقة تُقال في وقتها تتحول إلى تقدير واحترام، بينما الكلمة ذاتها في توقيت غير ملائم قد تُفسَّر باعتبارها هجومًا أو انتقاصًا.
فالنصيحة تحتاج إلى لحظة استعداد، والعتاب يحتاج إلى مساحة آمنة، والمواجهة لا تنجح إلا بوجود استعداد نفسي متبادل.
وكثير من العلاقات الإنسانية انتهت، لا بسبب خطأ في المضمون، بل بسبب خطأ في التوقيت.
وفي الجانب العاطفي، لا يُعد التوقيت ترفًا أو تفصيلًا ثانويًا، بل هو ضرورة نفسية وإنسانية.
فالمشاعر الصادقة إن طُرحت مبكرًا قبل نضج اللحظة قد تُربك الطرف الآخر، وإن تأخرت أكثر من اللازم قد تتحول إلى وجع صامت.
فالحب لا يقوم على الإحساس وحده، بل على الوعي باللحظة التي يكون فيها القلب مهيأً للاستقبال.
وعند مفترق الطرق بين الاستمرار والانسحاب، تتجلى الحكمة بأوضح صورها.
فهناك تجارب إن طال البقاء فيها تحولت إلى عبء نفسي، وإن جاء الانسحاب منها مبكرًا خلّف حسرة طويلة الأمد.
ومن هنا، فإن الانسحاب في التوقيت المناسب لا يُعد هزيمة، بل حفاظًا على الكرامة والطاقة،
كما أن الاستمرار في اللحظة الصحيحة لا يُعد عنادًا، بل تعبيرًا عن إيمان واعٍ بالمسار.
وفي البدء أو التوقف، يظل التوقيت عنصرًا حاسمًا في تحديد المصير.
فليست كل فكرة جيدة صالحة للتنفيذ فورًا، وليس كل توقف نهاية الطريق.
أحيانًا يكون التوقف المؤقت حماية من خسارة أكبر،
وتكون البداية المؤجلة هي الأكثر نجاحًا حين تكتمل الظروف وتتهيأ البيئة المحيطة.
ورغم أن الخطاب المجتمعي المعاصر يمجّد السرعة، ويدعو إلى اتخاذ القرار الفوري ورد الفعل السريع،
إلا أن السرعة ليست دائمًا دلالة على القوة، بل قد تكون في بعض الأحيان صورة من صور الضعف المقنّع.
فالقوة الحقيقية تكمن في امتلاك النفس، والقدرة على الانتظار حتى تأتي اللحظة التي يكون فيها القرار مؤثرًا، لا مجرد رد فعل عابر.
إن اختيار التوقيت المناسب مهارة مكتسبة، لا هبة فطرية.
تُكتسب هذه المهارة عبر الإصغاء أكثر من الحديث، والمراقبة قبل الحركة، والإيمان بأن الصمت في بعض اللحظات أبلغ من أي خطاب.
كما تُكتسب عبر احترام الإيقاع النفسي للذات، وإيقاع الآخرين من حولنا.
في المحصلة النهائية، لا تختبر الحياة قراراتنا فقط، بل تختبر قدرتنا على اختيار التوقيت المناسب لتلك القرارات.
والفارق بين إنسانٍ نادم وآخر راضٍ، لا يكمن دائمًا في طبيعة القرار ذاته،
بل في لحظة اتخاذه، في توقيته، في ثانية واحدة حُسمت بالشكل الصحيح أو الخاطئ.
اختر توقيتك قبل أن تختار قرارك،
فالقرار الصحيح حين يأتي في وقته الصحيح… قادر على أن يُغيّر كل شيء.

































































