بقلم/ آية_زيدان
“فى أحد أحياء الأسكندرية الراقيه سنة 1985،فى قصر من قصور ساداتها يطل على البحر ،هناك فى شرفتها تنظر للبحر ،تستمع لصدى أنينها داخل الأمواج المتلاطمة والتى تكاد من قوتها أن تلاطم قلبها،تنظر برغبة فى ملامسة تلك الأمواج القريبة البعيدة واللعب مع حبات الرمل المتلألئة وتلك الأصداف المترامية على تلك الرمال الصفراء الناعمة ،فى ذلك المنظر الخلاب رأت عينه ؛ عين ذلك الشاب التى تنظر مباشرة إلى عينها وكأنها نجمة لامعة فى سماء عالية وإذا بذلك الشاب هو ساعى البريد ،يأتى كل يوم فى السابعة صباحًا ومعه البريد والكثير من الجرائد “
_صباح الخير ياست هانم
_صباح الخير
_ غريبة أول مرة نشوفو النجوم بتنزل من السما لأجل تحاكينا!
_نعم يا أفندى !!
_لا ولا حاجة ،الجرايد ياست هانم،وممكن حضرتك توقعى هنا انكو استلمتو البريد!
_نوقعو ومانوقعوش ليه
_ماتعوزيش حاجة ياست هانم !
_نعوزوك تبقى بخير علطول
“كل يوم فى السابعة صباحًا انتظره فى مدخل القصر ومعه الكثير من الأوراق والكثير الكثير فى عينيه ، لن أنكر غرقى بهما عند النظرة الأولى لعينيه ،ليتنى غضضت بصري قبل أن أغرق! عيناه كانت بنيتان ممزوجة بدفئ الشمس وعمق البحر وجمال الورود”
_سعيدة ياست “ورد”
_سعيدة يا عم داوود،أمال فين الأفندى بتاع البريد! ماشوفناهوش يعنى النهاردة !
_تقصدى “عمر” أفندى !
_مانعرفوش عنه غير شكله وانه بيجيب البريد يوماتى الساعة سابعة
_هو “عمر” أفندى ،مانعرفوش والله ياست “ورد” يمكن يكون مريض او عنده شئ
_مريض!! إحنا لازم نشوفوه!
_لا يابنتى أنت مش مسموح ليكى بالخروج برا القصر ،أنى هنشوفوه بنفسى وهنطمنوكى
_ياريت ياعم داوود وشوفه لو محتاج حاجة واحنا هنساعدوه
_تسلمى ياست “ورد” ويديم طيبة قلبك عليكى
_إحنا هنطلعو فوق دلوقت عن أذنك
_اتفضلى ياست “ورد” وإن شاء الله لو عرفت عن “عمر” افندى حاجة هنطمنوكى
“فى ذلك اليوم لم أذق للنوم طعم ولم أرَ للراحة مكان ،كل مايجول بخاطرى هو ذلك الشاب وما به وتلك الأعين المتلألأه أين حلت ومابها ! كان القلق يتغذى على قلبى ،وأمواج البحر انطلقت بداخلى وأصبحت تتلاطم بين عقلى وقلبى ،لم أنا مهتمة إلى هذا الحد! لم هو بالتحديد من غرقت بعيناه وأنا أبنة أكبر تجار البلد وأنا تلك الفتاه الحسناء التى يتهاتف ويتسارع ليحصل عليها كبراء البلد ! لم لم أرَ عينًا من قبل تشبه تلك العينان! .. فى اليوم التالى انتظرته طويلًا إلى أن أتى ومعه الكثير بيده والكثير جدًا بمقلتيه التى بالكاد أفهم ما بها من كلمات وأنا التى أتقن أكثر من لغة ! “
_صباح الخير ياست هانم
_صباح الخير يا”عمر” أفندى ،حمدلله على سلامتكو
_الله يسلمك ياست هانم
_”ورد” أسمنا”ورد”
_إسم على مسمى ،تشبهى الورد فعلا، عم داوود قالنا إنكو سألتو علينا ولاحظتو غيابنا
“بإحراج”_أيوة .. عشان متعودين ناخدو منك البريد يوماتى
_آه …. اتفضلى
“”لم يكن يومًا البريد ما يهمنى ؛ لقد كانت عيناه ومابها من شيفرات أحاول فهمها ،لم تهمنى يومًا تلك الأخبار الساذجة وما بها من نفاق وكذب ،لم يهمنى سوى ذلك الوطن فى عيناه ،وتلك البسمة التى ترتسم على قلبى حين لقياه ، وذلك الصباح الملئ بالبهجة عندما يبدأ به “
_ست “ورد”
_أيوه ياعم داوود
_البيه عاوزك!
_خير ! عاوزنا فى أى؟
_مانعرفوش والله يابنتى ، هو نده علينا وطلب مننا نندهولك من الجنينة
_هنرحوله ،شكرًا ياعم داوود
..
_أيوة يا والدى ! عم داوود قالنا إنك طالب تشوفونا خير ياوالدى !
_شوفناكى النهاردة مع الجدع بتاع البريد عن البوابة بتتحاكو مع بعض ، مين الجدع دا ومين سمحلك تقفى وتتحاكى معاه!
_ماكنتش بتحاكى معاه فى سوء ياوالدى وعم داوود كان معانا مكناش لوحدنا
_مافيش وقوف تانى مع الجدع دا يا “ورد” ،ومافيش كلام بينك وبين حد غريب
_لكن يا والدى …
_خلاص النقاش انتهى
…
“ماذا يعنى أن يموت الشىء قبل ولادته ! ماذا يعنى أن يسلب منى الحياة بعدما وجدتها أخيرًا فى كفيه ، وجدت حياتى فى كفيه،ووجدت قلبى منعكس بعيناه ووجدتنى معه، لكننى لم أيأس ، وكنت أنتظر مجيئه كل يوم فى السابعة صباحًا فى شرفتى لأراه رافعًا رأسه ينظر إلىّ كأننى نجمة وعلى فمة إبتسامه تنير الكون بهجة “
نق،نق،نق
_اتفضل
_الظرف دا علشانك ياست هانم
_عشانا احنا ! خير !
……
“أخذته وإذا به رسالة منه؛يقول فيها:”صباح الخير ياست”ورد” ،لم أرَ الورد وردًا اليوم ،لقد رأيته شاحبًا اللون عديم الرائحة !من الواضح أنك أنت الورد الحقيقى هنا وليس هناك من ورد دونك” ،أخذتها وأخذت معها جرعتى اليومية من السعادة ،ووضعتها بصندوق خاص به وبرسائله ،ظال الحال هكذا قرابة شهر او شهريت ،أرسل إليه ويرد علىّ ويرسل إلىّ وأرد عليه ،لقد كان من دواعى سرورى أن أرى عيناه فى كل صباح واكتفيت بذلك القدر من البهجة ،لكن لم أكن لأتوقع أن مراسلته يوميًا ستخلق لى أجنحة لأطير بها من فوق أسوار القصر وأحلق فوق أرجاء العالم معلنة عن حريتى التى أستمدها من حروفه ،وأغرق بكامل إرادتى بعيناه ، وأسلب عقلى
منى ببسمته وأعيش بقلب وروح فقط كفراشة تحلق على بساتين من الزهور”
_عم داوود وصل دا ل” عمر” أفندى
_يوصل أى يا”ورد”!!
_والدى!
_ولاحاجة ياعزت بيه ماتشغلوش بالكم ،دا كان شوية أوراق “عمر”أفندى جايبهم بالغلط هنا
_تعالى هنا يا”ورد”
_حاضر
_الجدع اللى اسمه “عمر” دا مالكيش علاقة بيه نهائى ولا تاخدى منه حاجة ،ماتشغليش بالك بيه
بحزن شديد_حاضر
“فى اليوم التالى ،وبعد أن أنقذ الموقف عم داوود ،أرسل لى رسالة يطالب فيها برؤياى،وفى الحقيقة أنى من فرط الإشتياق أتكسر إربًا والشوق أعلن سلطته إلى أن أصبح شوكًا يغرس نفسه بين ضلوعى ،سأغامر لأراه ! فى الحب والحرب كل شئ جائز ! وإن لم تكن هناك مغامرات فكيف سنشعر بلذته”
_عم داوود!
_أوامرك ياست “ورد”
_عاوزينك تيجى معانا
_نيجو معاكى فين ياست هانم ؟دا عزت بيه يكسر الدنيا فوق نافوخى
_نص ساعة بس ،هتيجى معانا عند البحر ،نفسنا نشوفوه ياعم داوود
_مش هينفع ياست هانم ،لازم نستأذن من البيه أنا مليت ،مليت نشوفوه بس ،نفسنا نلمسوه ياعم داوود ،ونلمسو الرمله ونحسو بيها تحت رجلينا ، مش هنغيبو
_يلا يابنتى ،ربنا يسترها !
….
_”عمر” أفندى !
_سعيدة ياعم داوود
_أنت بتعمل اى هنا يا “عمر” أفندى ؟
_جاى نلمسو البحر ونشوفو اللى نفسنا نشوفوه بقالنا شهور ومش قادرين
_تقصد مين يا”عمر” أفندى!
_سعيدة ياست “ورد” نورتى البحر بوجودك قدامة ، أقصدعا هى ياعم داوود
_أيووة ! علشان كدا كان نفسكو تيجو هنا ياست “ورد”
_ماتحرجش الست هانم ياعم داوود، احنا هنتمشى شويه قدامك ياعم داوود
_أول مرة تشوفو البحر ولا أى ياست “ورد” !
_ لا إحنا بنشوفوه علطول بس أول مرة المية تلمس رجلينا ونطل على البحر بنفسنا
_طلتك بهيه حتى على البحر ياست “ورد” إحنا حاسين ان الموج بيرقص
_وإحنا حاسين إن عيونك هى اللى بترقص
_من ناحية بترقص فهى بترقص لطلتك قدامها ..
_…..
_شكلك منور وانت مكسوفة ياست هانم ،ماكناش نعرفو ان الهوانم بينورو لما بينكسفو
_ماهما بنات بردو
_وزينة البنات كمان يا ست “ورد”
_…..
_ست “ورد” إحنا مغرمين بطلتك وبضحكتك بس..
_بس أى ؟
_مش كل اللى بنحلموه بيتحقق ،أنا يدوب ساعى بريد وأنت ست هانم كل شبان البلد رايدينك
_لكن القلب مش رايدهم
_أنت نجمة عالية أوى علينا صعب نطولوها ….
_يلا يابنتى عشان مانتأخروش والبيه مش هيسكت لينا على اللر عملناه
_يلا ياعمى داوود
…
“ذهبت للمنزل ومعى الكثير أحمله بين ضلوعى ؛ من ألم وحب وخوف وراحة وحزن وحزن ! ،مرت الأيام بدون مراسلة منه وبدون طلته على قلبى ،مر الكثير من الوقت على قلبى ،وإذا بخبر سار يعيد إلىّ روحى وهو أنه أتى ليتحدث مع والدى وأخبره بأنه يهوانى ،لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن ،إن كنت قد وجدتنى فى عيناه ،ووجدته وطنًا فى غربة وحدتى فأبى لم يجده زوجًامناسبًا لأبنته المدلله ،رفضه وعنفه وطلب منه عدم الأتيان إلى هنا وعدم التواصل معى ثانيًة ،فى ذلك اليوم نمت باكيًة أشتكى حزنى لوسادتى وأبث ما بى من ألم فى صمت دموعى ،مرت الأيام ومر شهر من الألم المتواصل أقف بالشرفة فى السابعة كل يوم انتظر مجيئة او حتى رسالة منه ولا يأتى ،وأقف بها ليلًا باكية على ماكان بى من صباح ،الآن الساعة تدق العاشرة مساءًا موعدى مع الألم والنحيب أقف بالشرفة لأدع الذكريات تأكل بقايا روحى وأمهد الطريق لدموعى لأن تسير بيسر ،وإذا بى أسمع لحن من مكان غير بعيد لصوت العود يعزف ألحان ” أهو دا اللى صار” ،كان ذلك الصوت يذكرنى به ،لا أعلم لم! ربما لأننى لم انساه قط او لأننى شعرت بدفئ صوت العود على قلبى ،گنت أستمع كل يوم لصوت العود فى ذلك الحين من الوجع،وهناك شعور ليس بضعيف يشعرنى بأنه هو “عمر” أفندى مصدر ذلك الصوت ومنبعه ،مر الكثير من الوقت وانا انتظره ،مر عام من آخر مرة رأيته بها عند البحر ،كان ذلك العام كأنه ألف عام على قلبى أو يزيدون ،كم من الشبان أتو فى ذلك العام وأنا أرفض الزيجة منهم ،جميعًا كانوا مترفين مدللين لم أرَ منهم ما رايته بعين “عمر” افندى ،لكنى اليوم سأقابل باش كاتب ويبدو أن والدى يرفضه لكنى اصررت على مقابلته لأعلم مابه لكى يرفضه أبى من بين هؤلاء الكثيرين ممن يترجانى لأقابلهم ،من العجيب أنه كان هو !
“عمر أفندى” جالسًا يلبس بدله رسمية وعلى رأسة طربوشًا ومعه أبى ،جلست ولم أتفوه بكلمه لكن كان قلبى يقيم حفلاً جديدًا لرؤياه”
_إحنا طالبين منكو القرب،وطالبين ست”ورد” تكون وطن لينا
_لكن يا أبنى أنت جيت قبل كدا وإحنا عطيناك رأينا !
_مش هنعوزوها حاجة ياعزت بيه ،وهنعمله كل اللى نقدرو عليه عشان تعيش سعيدة
_مش هتقدر تعيشها العيشة دى يا”عمر” أفندى
_مش هنكذبو عليك ياعزت بيه ،ونقولولك أيوه هنعيوشوها كدا ،بس هنعيشوها فى سعادة وهنا ،وهنعملو كل اللى نقدرو عليه عشان ست “ورد” تكون سعيدة
….
“انتهت الجلسة وذهب “عمر”،وجاء إلىّ أبى ليحدثنى أو على الأرجح ليقنعى بعدم قبوله وان هذا (طيش شباب) كما يسميه ،لكنى أثق أن ذاك هو الحب الذى لطالما تمني
ته “
_”ورد”الجدع دا ماينفعكيش
_ماينفعناش غيره يا والدى
_وهتفضلى تعاندى وترفضى كل اللى يجيلك عشانه ،فى كتير يتمناكى وأحسن ألف مرة من الجدع دا
_القلب مش رايد غيره يا والدى ! ومالناش سلطان على قلبنا
_يعنى انت هتتحملى تعيشى حياته !
_طالما هنكون وياه هنحتملو كل حاجة ونعيشو حياة جديدة
_أيووة من الحب ومنكم انتم الشباب
_وافق يا والدى أرجوك ،والله ما هنرتاحو ولا نكونو مبسوطين غير وياه
_نوافقو يابنتى مانوافقوش ليه ،طالما دا اللى انت ريداه ومش رايده غيره
…
“وتمت الخطبة وجاء ومعه باقة من الزهور الحمراء وبداخلها علبة بها دبلتان ،كانت دبلته تعانق روحى قبل اصبعى ،وعيناه تفيض بما بهما من حب وأشواق”
_مبروك يا ست “ورد”
_الله يبارك فيك يا “عمر” أفندى
_أنا هويتك من يوم ما شوفتك فى الشباك وعيونك سرحانة فى البحر ،وكأنك كنتى بتنادى على الحرية
_لقيناها فى عيونك يا “عمر ” أفندى
_ألا صحيح، أى حبك فى الجرايد! يوماتى بتقريها ! أما عجيبة!
_ماكناش بنقرا الجرايد ! كنا بنقرا عيونك يا سى ” عمر”
_وانا هويت عيونك وهويتك يا ست” ورد”
_تسمحيلى نعزفولك الأغنية دى علشانك
“وبدأ بعزف الأغنية على عوده “
_دى هى ! اللى كنا بنسموعوها ليلاتى
_كنا بنعزفوهالك يا ست “ورد”
….. …….تـمـــت………
































































