الحبر ليس بديل الدم
بقلم: أسامة حراكي
سمعت أطفال سوريين يلعبون ويغنون “سلوى يا سلوى ليش عم تبكي” هل أمر سلوى يهمهم؟ وكيف لا ونحن نرى سلوى مذبوحة ومشردة ومسلوبة الوطن ولا نتوقف لنسألها السبب، فليست وحدها النعامة من تدفن عند الخوف رأسها في التراب، أغلبنا مع الصرخة الأولى لسوريا دفن رأسه في التراب.
في يوم الجمعة 18مارس عام 2011 انطلقت الثورة السورية ضد القمع والفساد وكبت الحريات، وعلى إثر حادثة أثارت غضب أهالي حوران جنوب سورية، حيث تم اعتقال 15 طفلا في 27 فبراير 2011 وتعذيبهم لأنهم كتبوا عبارات مناهضة للنظام متأثرين بالاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 وبخاصة الثورة التونسية وثورة 25 يناير المصرية، اللتين أطاحتا بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي، والرئيس المصري حسني مبارك.
قاد هذه الثورة الشبان السوريون الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، ورفعوا مجموعة من شعارات الحرية والكرامة، لكن قوات الأمن والمخابرات السورية واجهتهم بالرصاص الحي في مدينة درعا البلد، ما أدى لمقتل العديد من الأشخاص وسرعان ما تحول الشعار إلى إسقاط النظام وعمت المظاهرات مدن وبلدات محافظة درعا ومعظم المدن السورية، وفي مقدمتها اللاذقية ودوما وداريا وحمص وبانياس.
مات آلاف الأطفال والنساء والشيوخ من سلاح عربي مُخترع “البراميل المتفجرة” ومات الأبرياء بالسلاح الكيماوي الممنوع إنسانياً ودولياً وأخلاقياً، وتشرد الآلاف من مدنهم إلى مدن آخرى بحثاً عن ملجأ مؤجل فيه الموت لبعض الوقت، وترك الملايين بلدهم وذهبوا لبلادان آخرى رغبة في الحياة، مجبرين على مفارقة أماكن حُفرت في ذاكرتهم، وسمعنا وشاهدنا أطفالاً يقولون وهم يستشهدون: “سأخبر الله بكل شيء”.
كانوا يحلمون بأجنحة من ريش يحلقون بها فوق العالم بسلام دون أن تسقطهم رصاصة غدر صُوبت باتجاه صدورهم، عزاءنا أنهم شهداء سيُزفون إلى الجنة يُرزقون فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كيف رأينا كل ذلك ولم نصاب بجلطة إنسانية، ونحن مازلنا فوق الأرض نتقاتل على صفقة تجارية وترقية وظيفية وكرسي ومنصب.
فهل ستغفر لنا سوريا؟ وهل سيسترنا التاريخ؟ أم أنه سيفضح وهننا للأجيال القادمة على المقاعد الدراسية في حصص التاريخ، وسيعرض لهم على شاشات البروجكتر كل مجازر سوريا التي كنا نشاهدها بألم وصمت.
المتحاربون بالأمس يجلسون اليوم على طاولة المفاوضات، وتحول اسمهم من المتحاربين إلى المتحاورين، كي يوقعوا بالحبر على وثيقة اتفاق، ولكن ما الذي يستطيع أن يفعله الحبر في حضرت الدم، وهل يرتقي الحبر إلى مصاف الدماء الزكية الطاهرة التي سالت من ضحايا الشعب الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ، أنا لا أكتب هنا مقال أدبي، فحبر الأدب يختلف عن حبر التاريخ، ولئن كان المنتصرون هم من يكتبون التاريخ على الدوام، فيغدو التاريخ في هذه الحالة مجرد وجهة نظر تمثل الطرف الغالب، لكني أذكركم أن الحبر ليس بديل الدم ولا نظيره ولا يجدي في حضرته، ولا يستطيع مهما أوتى من فصاحة وبلاغة أن يوازيه، وليس مهمته أن يبارزه ولن يستطيع حتى وإن فعل.
تشتتت أسرهم وتمزق وطنهم وضاعت دولتهم، لأن شخصاً واحداً يساوي كل هؤلاء الملايين في المنافي، فجاذفوا بمراكب صغيرة كي ينجحوا للوصول إلى شواطىء يحلمون على أراضيها بالمستقبل بعد أن سُرق مستقبلهم، كي يحلمون برغيف كامل الاستدارة بعد أن سُلب منهم رغيفهم، كي يحلمون بوسادة مريحة ليس تحتها جاسوس أو مخبر، كي يحلمون بشمس جديدة غير شمس بلادهم المنكوبة بالشعارات وعُقد التاريخ والسلطوية التي لا تعترف إلا بصورتها في الإطار، وما عدا ذلك فهم مجموعة من الخراف يسوقها الجزار أينما وكيفما يشاء.
هل أصبحتم تخجلون مثلي أن تقولوا: أنا عربي.































































