“الشراع ”
بقلم 🖋️ خالد مصطفى
أخذتني نظرة تأمل عميقة لسطح مياه البحر ولبعض المراكب الشراعية للصيادين لأجد نفسي أكتب هذا المقال .
نحن لا نملك التحكم في اتجاه الريح ولا في قوتها او توقيت هبوبها ولكننا نملك شيئًا أخر بالغ الأهمية وهو الشراع
ذلك الشراع الذي يعلو المركب ليس مجرد قطعة كبيرة من قماش سميك تعلو الصاري بل هو رمز عميق لما نحمله بداخلنا من إرادة وعزم وقدرة علي الاستمرار
نحن نجد الرياح تهب بنفس القدر على كل المراكب التي تبحر في نفس الوقت ومع هذا تختلف درجة الاستفادة منها من مركب لأخر فنجد من يسابق الريح ويصل لوجهته
وهناك من يتأخر كثيرا حتى يصل ، بل نجد من يتوقف مكانه ولا يجد للبر سبيلًا وهذا الفرق الواضح لا تصنعه الريح بل يتسبب فيه الشراع
مثلها مثل الحياة ترسل للناس جميعًا رياح من الفرص والنجاحات كما ترسل التحديات والتعثرات لكل الناس بدون استثناء
فمن ينجو وينجح منهم هو من يمتلك الشراع الأقوى والسليم ألا وهو الإرادة التي كلما كانت قوية متماسكة مؤمنة قادرة على احتضان الريح تتحول أبسط الفرص الى خطوات كبيرة نحو الأمام
وحين يتمزق الشراع أي حين تضعف الإرادة تمر أعظم الفرص أمامها دون أثر ودون أدنى استفادة وكأنها لم تكن .
وإذا تسألنا كيف يتمزق الشراع ? نجد الإجابة بأنه لا يتمزق فجاة بل يبدأ بثقوب صغيرة لم ننتبه اليها وربما رأيناها ولكننا تجاهلناها وتلك الثقوب بسبب :
مخاوف أجلنا مواجهتها أو احباطات لم نواجها بصدق أو تكاسل في الإنجاز بدأنا التعود عليه وربما أيضا بسبب الاستمتاع بالسكون داخل منطقة الراحة
مع الوقت تتسع الثقوب الصغيرة في الشراع ويضعف تماسك النسيج لتصبح المركب أبطأ ليس بسبب قسوة البحر والأمواج بل لأن الشراع لم يعد كما كان قويا سليمًا يشعر حتى بالنسمات الخفيفة ويستفيد منها .
الإرادة مثلها مثل الشراع تحتاج من حين لاخر الى الصيانة ولا تترك دون حماية من الضغوط والصدمات فهى تحتاج الى صيانة واعية كما يحتاج الشراع الى فحص مستمر .
تأتي صيانة الإرادة من خلال وقفة صادقة مع النفس من حين لاخر متسائلا:
هل أنا في طريقي للوصول لأهداف محددة
هل شغفي لا يزال متوهجًا
هل أستفيد من كل دقيقة من وقتي أم أهدره فيما لا ينفع
هل لازلت واثق من نفسي ومن قدراتي
ولتكن اجاباتك الصادقة لنفسك هى بداية إصلاح وهذا ليس عيبًا أنما العيب الحقيقي أن نرى التمزق قد بدأ ونتجاهله فإعادة الشراع لما كان عليه واصلاحه ليس بالإنكار وعدم الاعتراف بل
بالمواجهة وبخطة واضحة وبصبر طويل وبتوكل صادق على الله وبأمل قد يعرف التعب أحيانا ولكنه لا يعرف الاستسلام ، كل خيط ورقعة في سبيل إصلاح الشراع هى وقفة صدق مع النفس تعيد للشراع الممزق قدرته على احتضان الريح من جديد .
لا أحد يولد ويموت وشراعه كامل وسليم لا يمسه شيءٍ فكلنا نواجه أمواج الحياة على هيئة تحديات كبيرة تجعل الغرق أحيانا يبدو أقرب من النجاة .
الفارق الحقيقي يكون واضحا بين من يصلح شراعه ومن يستسلم لتمزقها فالأول قد يتوقف قليلًا لالتقاط الانفاس ولكنه لا يتراجع والثاني قد تبقى الريح كلها في صالحه ومع ذلك لا يتقدم ابدا عن مكانه .
كن حارسا أمينًا على شراعك من التمزق والعبث ، ان تعبت توقف واسترح وان ضعفت أطلب العون ولكن في كل الأحوال لا تترك شراعك للتمزق
أصلحه من جديد بخيوط من إرادة حديدية ، أرفع رأسك وواصل السير تجاه هدفك فالحياة لا تنتظر والريح لا تتوقف بل تتغير اتجاهاتها وقوتها والشراع ليس فوق المركب فقط بل في داخلنا أيضا .
نعم بداخل كل منا شراعه ان حافظت على روحك قوية نقية صادقة متماسكة حملتك رياح الفرص الى مسافات بعيدة لم تكن تحلم بالوصول اليها يومًا ، وان تركت روحك لليأس ليتمكن منها ستبقى حيث انت حتى لو كانت كل الرياح تهب لصالحك .
اهتم أنت بالشراع فهذا دورك ودع الريح تقوم بدورها .

































































