مشاهدات: 189
في هذه الأيام ونحن في أعقاب ذكرى الوحدة العربية مع الشقيقة سوريا ، فرضت ذكرى الرئيس جمال عبد الناصر نفسها ، وأهلت على ذاكرتي كثيرا” من القراءات عن تلك الحقبة في تاريخ الوطن مابين تأييد ومعارضة ، لكن لعل الأكثر إيلاما” ودهشة بالنسبة لي وهو ما إستوقفني كثيرا” ، هو قرار التأميم دون مراعاة لأبعاد إنسانية ووطنية ،
لم يراعى فيه أشخاص وطنية بنت نفسها بنفسها وسعت طويلا” لتحقيق أحلامها وتخليد فنها! وهو ماحدث مع الفنان محمد فوزي الذي لم يكن إقطاعيا” لكنه كان نموذجا” للمصري من عائلة متوسطة حباه الله بموهبة سعى من خلالها لتحقيق حلمه بتأسيس شركة إسطوانات مصر فون ،وتعد أول مصنع للإسطوانات بالشرق الأوسط، إستطاع تخفيض تكلفة الإسطوانة التي كان يتم إستيرادها من الخارج إلي ثلث قيمتها، ليس هذا فحسب بل بجودة أعلى وسعة أكبر ،
فبينما كانت الإسطوانة المستوردة تباع بسعر ٩٠ قرشا” تعمل على وجه واحد وتحتوي على أغنية واحدة وكانت قابلة للكسر ، نجد أن الإسطوانة المحلية المنتجة كانت تباع ب ٣٥ قرشا” وتعمل على الوجهين وتحتوي على أغنيتين وغير قابلة للكسر! هذا التفوق في الأداء كان نقلة نوعية على المستوى الفني، ومشروعا” مربحا” على المستوى الإقتصادي .
وما أن نجح في تحقيق حلمه ، وأصبحت الشركة حينها تنتج لعمالقة الغناء مثل كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب حتى جاء القرار بالتأميم! وهو حقيقة قرار غير مفهوم أو مبرر! ليته كان تأميم رصيد بالبنوك أو ڤيلا بإسمه! لكنه كان قرار بتأميم حلم وإغتيال إرادة ! لقد كان حلم حياته ، وهو ما لم يستطع معه تحمل الصدمة ، فحينما مات الحلم ماتت معه الرغبة في البقاء! ووهن الجسم ومرض بمرض نادر لم يعرفه العلم حينها حتى سمي بإسمه مرض محمد فوزي ، جاءته الطعنة وهو في قمة نجاحه وريعان عمره الفني، وتحول معه الحلم والنجاح إلى لعنة! قصة مؤلمة أنه مرض القهر وقتل الحلم الوليد!
كنت أتمنى أن يكون الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لازال بيننا لنفهم لماذا فعل ذلك خاصة أنه لم يحدث مع فنانين آخرين مثل أم كلثوم ولا عبد الوهاب أو عبد الحليم حافظ، رغم أن فوزي لايقل عنهم دعما” لوطنه؟!
مصر أبدا” لاتقبل أن تجني على أبنائها أو تقهر إرادتهم! فإذا حدث ذلك ذات يوم فعليها تصحيح المسار.
فإذا كان أبطال الرواية قد رحلوا ، فيبقى الحلم التائه الذي تم تأميمه بقسوة أودت بحياة فنان عظيم مثل محمد فوزي، آملين أن يتم تكريمه إما بإعادة إسمه على شركة إسطوانات صوت القاهرة من باب إعادة الحق لأصحابه او بطرح إسمه على أحد أجنحة مدينة الإنتاج الإعلامي أو أحد مسارح دار الأوبرا المصرية تخليدا” لذكراه وإعتذارا” له عما حدث في حقه .
رحم الله فنانا” عشق وطنه وأعان قيادة الوطن على تصحيح المسار ترسيخا” للقيم الإنسانية وإستمرارا” لرقينا وحضارتنا.