بقلم الباحث التاريخى الشريف : أحمد ُحزين شقير الُبصيلى
يحتفل آلاف المصريين المحبين سنويا بمولد سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة
الإمام أبي عبدالله الحسين رضي الله عنه وأرضاه سبط رسول الله صل الله عليه وآله وسلم وابن السيدة فاطمة الزهراء البتول ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن باب مدينة العلم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الذي قال فيه جده صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: حسين مني وأنا من حسين .. أحب الله من أحب حسينا .. حسين سبط من الأسباط وقال عنه وعن أخيه الإمام الحسن رضي الله عنه: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
أتفقت الأقوال ان جسد الإمام الحسين قد دفن بالعراق ومعه أهل البيت شهداء كربلاء
ويعرف قبره الى اليوم هناك .
أما الرأس فقد تعددت بها الأقوال فهناك من أدعى انها مدفونة فى البقيع بجوار قبر السيدة فاطمة الزهراء وهذا غير صحيح لأن الكتابة المنقوشة فوق قبر السيدة فاطمة الزهراء لم تشر الى دفن رأس الإمام الحسين بل قد كتب :
الحمد لله محيي الامم .. هذا قبر السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صل الله عليه وسلم سيدة نساء العالمين وسيدنا الحسن بن على بن أبى طالب وعلى بن الحسن بن على و جعفر بن محمد رضوان عليهم أجمعين
ولو كانت الرأس الشريف لسيدنا الحسين مدفونة لكتبت بالكتابة المنقوشة.
والمصريون يحتفلون بــ ذكرى وصول الرأس الشريف للإمام الحسين إلى القاهرة في عام 549 هجريًا بعد أن نقل من عسقلان حيث كان مدفونا هناك إلى القاهرة التي تشرفت بها.
تذكر كتب التاريخ الإسلامي السنية ممن تحدثوا عن تلك الفترة أنه بعد موقعة كربلاء عام 61 هـ حيث استشهد مولانا الإمام الحسين سيد الشهداء وأهل بيته اجتز شمر بن ذي الجوشن عليه لعائن الله رأس الإمام الحسين وذهب به إلي يزيد بن معاوية عليه من الله ما يستحق في الشام لينال مكافأته بولاية إحدى المدن الإسلامية فأمعن يزيد في فحشه وعلق الرأس الشريف للإمام الحسين بأبي هو وأمي على أبواب دمشق ليزيد الناس إرهابا وبعدها يظل الرأس بخزائن السلام بدمشق بعد وفاته لينقل ويستقر كما ذكر المؤرخون بعسقلان لمدة خمسة قرون.
ويؤيد ذكر عسقلان ان المؤرخ ابن خلكان ذكر فى تاريخه ان رأس الحسين كانت مدفونة فى عسقلان قبل ان تنقل الى مصر
كيف كانت رحلة الرأس الشريف إلى مصر؟
وتعود رحلة نقل رأس جدنا الإمام الحسين بمصر إلى قصة طويلة ذكرها المؤرخون من أهل السنة خاصة ممن عاصروا هذه الواقعة من مؤرخي مصر وغيرهما عندما تزينت مصر وتجملت وأضيئت المصابيح شوقًا لحضور رأس الحسين حفيد رسول الله صل الله عليه وآله وسلم فعندما جاءت الحملات الصليبية إلى بلاد العرب وكانوا ينبشون القبور المعظمة عند المسلمين خشي الوزير الفاطمي حينها الصالح طلائع بن زريك على الرأس الشريف للإمام الحسين أن يمسه الصليبيون بسوء فأوعز النصح للخليفة الفائز وأجزل في نصحه له بالتفاوض مع قائد الحملة الصليبية على عسقلان بدفع مبلغ مالى كبير مقابل الحصول على الرأس الشريف وإعادة دفنه بمصر.
وبالفعل تم الأمر وذهب الأمير الأفضل ابن قائد الجيوش بدر الدين الجمالي إلى عسقلان ووقف على قبر الإمام الحسين حتى استقر عند الرأس الشريف فحمله على صدره من عسقلان و سار به في موكب مهيب تقشعر له الأبدان وتخلج له جنبات الصدور وتنتشي بعزته كل فخور فرحا بنقل الرأس الشريفة إلى مصر المحروسة التي كانت وستظل إلى أبد الآبدين كنانة آل بيت رسول الله في الأرض.
وتقديرًا وحبًا من المصريين لأهل البيت وللإمام الحسين رضي الله عنه استقبل المصريون الرأس الشريفة للإمام الحسين عند وصولها لمصر بخلع نعالهم حتى لم يكن بينهم مرتديًا لنعله.
وما مرت الرأس الشريفة بقرية أو بلده إلا واستقبلها المصريون بالورود والعطور والفرح والبشر والسرور ومن كرامات وصول الرأس الشريفة انتشار رائحة المسك منها في كافة الأرجاء التي مرت بها حتى أن الحارة المجاورة لمسجد الصالح طلائع والتي مرت بها الرأس الشريفة لتدخل ساحة المسجد التي دفنت بها الآن فإذا بأهالى الحارة يستنشقون عبير المسك فى بيوتهم وأمتعتهم ومنذ هذه اللحظة وحتى يومنا هذا يطلق عليه الجميع حارة المسك كما ذكر المؤرخون من أهل السنة.
والمشهد الحسيني الموجود الآن كان قصرًا لأحد الأمراء يدعى الأمير حفيظ الدين أو ربيع الدين وكان يطلق على القصر اسم قصر الزمرد وتنازل عنه الأمير وبني المسجد.
وأكررانه قد أجمع المؤرخون وكتُّاب السيرة من أهل السنة على أن جسد سيدنا الإمام الحسين رضوان الله عليه دفن في مكان مقتله في كربلاء وأما الرأس الشريف فقد طافوا به حتى استقر بعسقلان الميناء الفلسطيني حتى نقل إلى مصر.
من هم الذين شاهدوا رأس الحسين ؟؟؟
قبل سنوات طوال في عهد الخديوي إسماعيل حدثت فتنة عند تجديد المسجد الحسيني حول حقيقة وجود رأس الإمام الحسين في مصر فشكل الأزهر الشريف لجنة من ثلاثة علماء ثقات ونزلوا إلى حجرة الدفن التي بها الرأس الشريف للإمام الحسين بعد أن وضعوا ستارا على القبر ودخلوا القبر وخرجوا وعيونهم شاخصة وهم يرددون هو.. هو.. هو” وعرف أنهم شاهدوا رأس الإمام الحسين وكأنه قتل منذ ساعات وتفوح من دمائه التي تسيل رائحة المسك.
وهذا ما أكدته من قبل روايات لمشايخ الأزهر الشريف كالشيخ الشبراوي وروايات الإمام المحدث المنذري والحافظ بن دحية والحافظ نجم الدين الغيطي والإمام مجد الدين بن عثمان والإمام محمد بن بشير والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر والقاضي عبد الرحيم وعبد الله الرفاعي المخزومي وابن النحوي والشيخ القرشي والشيخ الشبلنجي والشيخ حسن العدوي والشيخ الشعراني والشيخ المناوي والشيخ الأجهوري وأبو المواهب التونسي وغيرهم.
كما جاء فى كتاب العدل الشاهد وتحقيق المشاهد لمؤلفه عثمان ملوخ:
حيث كتب ان الامير عبد الرحمن كتخذا لما اراد توسيع المسجد الحسينى قال البعض ان المشهد لم يثبت فيه دفن رأس سيدنا الحسين فأراد الأمير ان يتحقق من ذلك فجاء بالشيخ الجوهرى الشافعى والشيخ الملوى المالكى وكانا من كبار العلماء وفى حضور جمع غفير عظيم من الناس كشفوا المشهد ( الضريح) ونزلوا الى البرزخ وتحققا من وجود الرأس الشريف فى طشت من الذهب فوق كرسى من الأبنوس واخبرا الناس بما شاهدا.
وهذا الكلام اثبت صحته بدليل ان الصندوق الخشب قد عثر عليه الاثرى حسن عبد الوهاب تحت أرضية القبه وكان محتجب عن الناس لمئات السنوات ولم يراه سوى ثلاثة محمود الببلاوى ومحمد الببلاوى ومحمد عرفه شيخ المسجد وكان اكتشاف الصندوق عام 1939م .
وقد كتب الكاتب الكبير عباس محمود العقاد بعد ان بحث كثيرا فى الروايات والحكايات المتواترة عن رأس الإمام الحسين وأبطل كلام الوهابيين وقال :
فإن لم تكن هى الأماكن التى دفن بها رأس الامام الحسين فهى الأماكن التى تحيا بها ذكراه لا مراء.
فأيا كان الموضع الذى دفن فيه رأس سيدنا الحسين فهو فى كل موضع أهل للتعظيم والتشريف وإنما أصبح الأمام الحسين بكرامة الشهادة وكرامة البطولة وكرامة الأسرة النبوية معنى يحضره الرجل فى صدره وهو قريب أو بعيد عن قبره وان هذا المعنى لــ فى القاهرة ودمشق وكربلاء وعسقلان والمدينة المنورة وفى غير تلك الأماكن سواء.
كان الشيخ الشريف / صالح الجعفرى إمام الجامع الأزهر الشريف يقول عن زيارة مقام سيدنا الحسين بالقاهرة: ( لو علم المحب لزيارة سيدنا الحسين ما يكساه من أنوار وأسرار ما فارق مقام سيدنا الحسين لحظة ولو ود أن يربطوه بجنازير فى مقام سيدنا الحسين عليه السلام.
واليكم بعض ماجاء من اراء المؤرخين عن رأس الإمام الحسين بالقاهرة علما بأنى قد تشرفت برؤيتها بنفسى والحمد لله وذلك فضل من الله عظيم.
قال ياقوت الحموي676 هـ في معجم البلدان 5/142:
وبمصر من المشاهد والمزارات بالقاهرة مشهد به رأس الحسين بن علي رضي الله عنه نقل إليها من عسقلان لما أخذ الفرنج عسقلان وهو خلف دار المملكة يزار
– ابن بطوطة في رحلته بمصر :
ومن المزارات الشريفة المشهد المقدس العظيم الشأن حيث رأس الحسين بن علي عليهما السلام وعليه رباط ضخم عجيب البناء، على أبوابه حلق الفضة وصفائحها أيضا كذلك وهو موفى الحق من الإجلال والتعظيم ومنها تربة السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام وكانت مجابة الدعوة مجتهدة في العبادة .
– ذكر ابن إياس في تاريخه أنه :
في أيام الفائز نقلت رأس الحسين من عسقلان إلى القاهرة سنة 549 هـ
-الحافظ المناوي في فيض القدير {1/205} ..
وكذلك المكان المشهور بالمشهد الحسيني من القاهرة فليس الحسين مدفونا فيه بالاتفاق وإنما فيه رأسه كما ذكر بعض المصريين .
– جاء في تاج المفرق في تحلية علماء المشرق رحلة الشيخ العلامة خالد بن عيسى ابن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن خالد البلوى المالكي (المتوفى نحو 765 هـ) ص 35 : وفي داخل القاهرة شاهدت المشهد العظيم حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
– ابن الأروق المتوفى عام 572هـ :
شهد دخول الرأس الشريف مصر تحت بصره وسمعه وحضوره وهذه تنسف أقوال من يخالف فقد عثر الباحثون بالمتحف البريطاني بلندن من سنوات على نسخة خطية محفوظة من تاريخ آمد لابن الأروق المتوفى عام 572هـ وهي مكتوبة عام {560هـ} ـ أي قبل وفاة المؤرخ باثنتي عشرة سنة ومسجلة بالمتحف المذكور تحت رقم 5803 شرقيات وقد أثبت صاحب هذا التاريخ بالطريق اليقيني أن رأس الحسين قد نقل من عسقلان إلى مصر {عام 549هـ} أي في عهد المؤرخ وتحت سمعه وبصره وبوجوده ومشاركته ضمن جمهور مصر العظيم في استقبال الرأس الشريف..
– أما فى عصرنا الحديث عام 1977 حدث دليل وبرهان قوى نختم به المقال حيث عرض الشيخ منصور مدير المساجد الأمر علي وزير الأوقاف ووافق الوزير علي أن ننزل إلي الرأس ويتم معاينة المكان جيدا لنقرر ما إذا كنا في حاجة لتجديده وترميمه أم لا.
وبالفعل نزلوا إلي مكان الرأس فوجدوها في حجرة صغيرة ملفوفا في قماش أخضر والحجرة تشع برائحة الزعفران والمسك والورد معا.. وأحضروا عمر الفاروق قماشة خضراء جديدة ولف بها الرأس من جديد.. ووضع فيها كمية كبيرة أخري من مختلف العطور وأعاد الرأس إلي مكانه.. وخرجوا جميعا وقاموا جميعا بالإعلان علي الملأ أن الرأس موجود في الضريح كما تؤكد روايات التاريخ.
حيث صرح الشيخ حلمي عرفة أن في وسط الأرضية غطاء حديديا سميكا له ضخما لا تقترب منه لأنه الغطاء الذي يؤدي إلي سلم الحجرة السفلية حيث توجد رأس سيد الشهداء أحب الناس لسيد الخلق أجمعين صل الله عليه وسلم.