قبل أن يطبق القمر ضوئه ويرحل
بقلم: عمر الشريف
ساعة جامعة القاهرة تلف رأسها بشال من الصوف في برد يناير، تجلس فوق عمود بالقرب من قبة قاعة الاحتفالات الكبرى، تمشي على سكة الوقت
وتتشمم الدقائق بحذر، تقدم نصحها بالتساوي، بين طلاب يؤدون اختبارات أول ترم لهم، وطلاب في آخر سنة يؤدون آخر اختباراتهم ليستعدواْ لتخرجهم.
تحت سمع وبصر النهار، يُدخل برد الشتاء يده في جيبي، يسرق قروش الدفء التي معي، ثم يدور حولي متحدياً ولا يهرب ولا يستحي.
تحمل الساعة هدايا رأس السنة، تقف بالجيزة على بعد عشرات الأمتار من حافة نهر النيل، تهدد برمي نفسها في الماء لتعبر إلى الضفة الأخرى للجهة التي هي تحمل اسمها “القاهرة”
ثم تتردد وتجبن وتغفو، فيسخر منها الجسر “كوبري الجامعة” الذي قفز بحجارته في ظلمة الليل، وفي غفلة الخوف وعبر إلى القاهرة.
أتذكر في العام الأول بالجامعة الطالبتان اللتان التقيت بهما قبل بدأ أول اختبار، صبحتا عليَ في الطريق، فرددت التحية بأطول منها، وبعد انتهاء الاختبار التقيتهما من جديد، سألتاني هل أنا مصري
فقد تراهنتا عليَ تحت تأثير شكلي “كأن فيه شائبة!” وستخسر الرهان كل منهما، صاحبة “الجيبة” الحمراء التي رأتني سورياً، وساكنة البنطلون الجينز الأزرق التي وجدتني لبنانياً
وسألاني عن رأيي في مصر ومتى جئتها وهل أعجبتني وهل أُعجبت ببناتها، وأجابتهما بثقة “أنا مصري وأبويا مصري، وخفة دمي مصري، ولوني القمحي مصري”….
يعود البرد القارس ويقفز من شرفات الغيوم، يُغير على الجامعة وطلابها، الرأس في “الكابشو”
والرقبة في الكوفية، والكفان في جيب المعطف الذي يلف جسدي ويُطبق عليه، والنظارة على العينين تقودني في طريق الأمان، هكذا أخرج من البيت وهكذا أعود، بعد أن تسلل الزكام لجسدي وتمكن مني، واعتصر بيديه حلقي وأصابه بإحتقان وألم.
في الكافيتريا بعد الاختبار أنهي كأس الشاي الساخن وأبتلع قرص الدواء على نية النجاة، وأتساءل من جديد ما هذا البرد اللعين، تسمعني فرحي فتجاوبني: إنه الفيروس الذي زارنا في المنزل وما زال عندنا يا مولانا، فأشعر بحالة تفاهم فيروسية تجمعني بأسرة فرحتي!
حين عدت للمنزل نمت قليلاً، واستيقظت ليلاً بين الدقيقة الأخيرة قبل منتصف الليل، والدقيقة الأولى بعده، فمرت سنة وفي حقائبها عام كامل مسروق من أعمارنا.. نمت متأخراً في سنة، وصحوت مبكراً في أخرى، فاتني سماع دقات الساعة ومفرقعات الاحتفالات والأضواء، فنهضت وأدركتها سريعاً، ولمحت القمر يطبق ضوءه ويرحل.
وهكذا وعمر القارئين يطول، مضت سنة وخبت، أورثتني نجاحات وخيبات، وتركتني في حيرة لا أهتدي، فلا أنا أكثر حكمة، ولا أنا أقل قلقاً، وحطت سنة جديدة لا نعرف خيرها من شرها، وأحسن ما عندي لها تحيات ولاء ورجاء، ولأصدقائي وأحبتي أمنيات الخير ودعوات الأمان.

































































