من المقهورين في الأرض
بقلم: عمر الشريف
لملمت الأم ما تبقى من شعرها الذي كان طويلاً ذات يوم داخل ربطة رأسها استعداداً للخروج، وتنهدت وهي تضع عجينة الطعمية في كيس وتنادي ابنتها أن تحضر قليل من زيت القلي لتزود الطاسة.
ابنتها كانت تقرأ في إحدى المجلات بشغف، فقد أخرجتها أمها من المدرسة؛ لتساعدها في نصبة الشاي والقهوة وسندوتشات الطعمية، تحسب مقدماً مصاريفها وأرباحها والإتاوات اليومية لموظفي الحي، وتحاول حماية ابنتها من أعين الرجال العجائز قبل الشباب؛ فجمال ابنتها وفقرها يزيد من حدة سُعار بعض الذئاب البشرية، ثم هناك تُجار الكيف الذين يخبئون حمولتهم اليومية من الحبوب المخدرة وحتى أكياس الهيروين، فإذا رفضت سيعتدون على ابنتها أو عليها وربما يبلغون مباحث المخدرات أنها تتخذ من بيع الشاي والقهوة والطعمية ستاراً لتجارة المخدرات.
بدأت المضايقات مبكراً فهي تتشارك مع أُخريات من بائعات الشاي وبعض البائعات المتجولات وعاملات المنازل في ركوب سيارة ربع نقل تحملهن من أطراف المدينة ومجاهلها إلى الشوارع اللاتي يعملن بها، والسيارة بصندوق خلفي مفتوح لا مقاعد فيه، بل تتزاحم فيه الأجساد ومرات تلتحم، وعادةً ما تقفز ابنتها إلى صندوق السيارة؛ لتعين أمها على الصعود، وتقضيان ساعة الصباح في التحدث إلى صديقاتهن من البائعات، وتلمح أمها الرجل المأفون الذي يستغل الزحام لمحاولة الالتحام مع ابنتها، فترمقه بنظرات نارية ليبتعد عنها.
تصل السوق فتقفز الإبنة؛ لتعين الأم على النزول… حدث كل شيء بسرعة، الرجل كان في حالة سُعار لدرجة أنه تجاهل نظرات الأم النارية وأمسك بيد الإبنة التي قفزت من صندوق السيارة، فتعثرت لأنها كانت تحاول إزاحة يد الرجل القوية من يديها، وجسده الذي كان يحاول الالتحام بها؛ سقطت على رأسها، فلقيت حتفها فوراً، الأم كانت ساهمة وفي حالة جنون صامت.
































































