هزيمة الموت
بقلم نشأت فل صوميل
في مقالي هذا أرى أن الموت لا يقترب من الإنسان في هيئة واحدة، بل يتخفى في صورتين: موت الروح والموت الجسدي.
منذ اللحظة الأولى التي يخرج فيها الإنسان طفلًا إلى الدنيا، يفتح عينيه على عالم لا يعرفه، وكأنه يسأل في صمت: أين أنا ومن هؤلاء؟
ثم يصرخ باحثًا عن الأمان والانتماء في عالم الضجيج والضوضاء، ومع مرور الأيام يبدأ في التعلق بوجوه تبتسم له، وأصوات تمنحه الأمان
ولمسات تدفئه الحنان، فينشأ نسيج إنساني يربط الروح بالروح ويمنح الحياة إشراقها.
وعندما يبلغ الإنسان نضجه، تبدأ أمامه رحلة جديدة، رحلة الفقد والفراق التي تكشف له قسوة الحياة وتقوده إلى المواجهة مع الذات، عندما تفاجئه مصائب الموت بالبلاءات والعثرات.
وهنا يأتي موت الروح، ذلك الظلام الخفي الذي يقترب من الإنسان حين يغلق قلبه في وجه الله ويفتح أبوابه لإغراءات الحياة. فيظهر معه موت الضمير، الذي يحمل انحرافات هادمة للقيم والأخلاق
ويبدأ حين يتوقف صوت الحق، وأيضًا موت الأمل الذي يصنع اليأس ويخنق القلب ويثقل الروح.
إنه الموت الداخلي الذي يخطف الإنسان من صورته الحقيقية إلى قناع يفقد جوهره حين ينساق خلف طريق بلا ضمير وروح غارقة في الظلام.
إن الموت الداخلي يسحق كثيرين، وكل قتلاه أقوياء. يتعثرون في براثن الموت، ثم يسقطون، وباليقين والإيمان ينهضون.
يا سادة…
تأتينا آخر صفحات العمر بالموت الحتمي، موت الجسد، ذلك الصامت الذي يسدل الستار على حياة الاختبار ويضع نقطة النهاية على الصفحة الأخيرة.
ونواجه مرارة الفقد ونودع أحباء يرحلون، فيعتصر القلب ويكاد الوقوف من هول الحزن وشدة خفقاته وهم يفارقون.
وفي وقت الثرى تنهار الروح صمتًا صارخة: لا ترحلون وتعصف بنا موجات الحنين حين نراهم يوارون التراب وتسدل عليهم ستارة الغياب.
ومن ثم تنطلق بنا الأفكار شاردة في مدارات الخيال، حائرة متسائلة: أين الآن هؤلاء الأعزاء؟ حينها يفيق العقل والروح ليدركا أن الرحماء يرحمون ولا يفنون
وأن هؤلاء الأحباء هم أحياء عند إله السماء.
فلتتبدل دموعنا على أنفسنا، نحن الذين يحاصرهم موت الروح، ذلك الذي يسعى لزعزعة إيماننا وإبعادنا عن نور الله
متسللًا إلينا حين يسود الظلام قلوبنا وتنطفئ الرحمة فينا، فنطلق أحكامنا على الآخرين وندينهم على زلاتهم.
أما بالحق والمحبة والرحمة بالآخرين، وتقديم الغفران للمسيئين، يفيض الله علينا برحمته وغفرانه، كما أننا نسعد قلب الله بأن نجول نصنع الخير.
بهكذا نغلب الشر ونهزم الظلام، ويموت الموت وتزول الهاوية، فالروح التي تعرف طريقها إلى الله تهزم الموت ويكون لها حياة.
إهداء خاص
أهدي هذا المقال إلى روح خالتي الحبيبة راعوث إسكندر، التي انتقلت إلى سماء الرحمة بقلب كبير وروح طيبة لتلتقي باختها، أمي الغالية، وأفراد العائلة الأحباء… فإلى اللقاء.





































































