رءوف جنيدي
عبر ستين عاماً من العمر أو يزيد . وبعد رحلةٍ شاقة قضاها المرء منا هائماً فوق دروب الحياة وبين طرقاتها . نصارع فيها دنيا ما نازلت أحداً إلا غلبته . مشينا خطي تلو الخطي تدفعنا غريزة العيش والبقاء . تزوجنا وأنجبنا وزوجنا أبناءنا ونساهم الآن في تربية الأحفاد . ومازلنا سائرون في وجهتنا حاملين حقائب الزاد من الصبر والمثابرة لنجتاز رحلةً قدرتها لنا سنة الحياة . نمر بين الأعوام علي أطراف أصابعنا . فنتسلل بجوار هذا العام . ونلتف من حول هذا . وننحني تحت هذا . ونقفز فوق هذا . وفي كلٍ كنا نسابق السعادة ولا نعرف الحزن ولا نكترث له .. كنا نصاحب الأمل ولا نعرف لليأس طريقاً . كانت ابتساماتنا تعلو فوق أوجاعِنا . كانت قلوبُنا تضحك قبل وجوهنا . كانت قناعتنا تَحْكُم طموحاتنا . كانت أحلامُنا على قدر أيدينا . كنا نسابق النجاح ويسابقنا . نلاحقه ويلاحقنا . يفلت منا مرة ونُمسك به مرات . كنا ندور في أروقة الحياة . نعانق السمان من سنوات العمر ونمسح الحزن عن العجاف منها . سائرين في الحياة بخطىً آملةً متفائلةً . نضرب غٌمار بحرها بعصا الجد والإجتهاد لنشق لأنفسنا طريقاً يبساً لا نخاف من بعده يأساً ولا إحباطاً …
واليوم أقف ويقف معي كل أبناء جيلي شاخصي الأبصار . مهطعي الرؤوس . ترهقنا ذِلة العناء وتبدل الحال . فقد شحت الضحكات . وتوارت من فوق الوجوه الإبتسامات . واختفت البهجة من العيون والفرحة من القلوب .تثاقلت خطانا وبدأت تتلاشي أثار أقدامنا شيئاً فشيئاً . ننظر من حولنا في وحشةٍ مندهشين . لم تَعُد هذه هي الحياة التى كنا نحياها . لم يَعُد هؤلاء الأشخاص هم الذين كنا نحيا معهم . ليست هذه هي القيم التي تعلمناها ولا الفضائل التي ورثناها . ليست هذه هي الأصول ولا مكارم الأخلاق التي غرسها فينا الآباء والأجداد . لم نعد نفرح لما يُفرحنا . ولم نعد نحزن لما يُحزننا . صرنا أشكالاً خشبية بل وأسمنتية . صارت الدنيا شائهة مائهةً لا طعم لها ولا رائحة . استوت في أعيننا الظلمات والنور . ما عدنا نُميز ظِلاً من حَرور . لم يعد للناس عيونٌ يرون بها ولا آذانٌ يسمعون بها ولا قلوبٌ يفقهون بها . لم تَعْم الأبصار ولكن عَميت القلوب التي في الصدور . خلت الدنيا من قِيَمها وفضائلها . فصرنا نترنح فيها كأعجاز نخلٍ خاوية ..
إختفي العمالقة وحل محلهم الأقزام . إختفي العلماء وحل محلهم الجهلاء . إختفي الوُجهاء وحل محلهم ساقطوا الهمة . إختفي النبلاء وحل محلهم السفهاء . إختفي ذووا القيمة وحل محلهم الصعاليك . إختفي الرقي والجمال وحل محله القبح والإسفاف . إختفت العراقة والأصالة وحلت محلها الوضاعة والتدنى . بات القابض على قِيَمِه ومبادئه كالقابض على حفنةٍ من الماء حتماً ستتفلت يوماً من بين أصابعه . إستوطنت الوحشة في النفوس والغربة في القلوب . أستُبيح الوقار وأمتُهنت المحارم وانتُهكت الأعراض . إنتصرت البلطجة . وعلا صوت الباطل . خربت الذمم وبيعت الضمائر في أسواق الرخص والندالة . قُدِّرت كل ممتلكاتنا حتى التربوية والأخلاقية منها بالمال . كم تساوى الذمة . كم يساوى الضمير . كم يساوى حتى الصوت الإنتخابى . نعرف الفقراء فقط وقت حاجتنا إليهم . بات لكلِ شيء سعره السوقي حتي النفوس . صرنا ننظر إلى الدنيا من بين المصفوفات النقدية . صار المال هو أولنا وآخرنا . بل شهيقنا وزفيرنا . تلاشينا نحن البشر . صرنا أطلالاً آدمية . لم يعد تعداد البشر يهُم . بقدر ما يَهُم تعداد الجنيهات .. أيا كانت طريقة تحصيلها .
سقطت عنا ورقة التوت التي كانت تستر عوراتنا . وبدت لنا سوءاتنا وطفقنا نخصف عليها من ورق الكذب والتضليل والبهتان . عندئذٍ وقفت في مكاني ألملم شتات القِيم . وبقايا الفضائل. خاصمت الأيام وخاصمتني . فما عاد يليق أحدنا على الآخر . ولا ينسجم معه ولا به . صِرنا غُرباء عن الواقع . غرباء عن أجيالٍ نحن من أوجدناها بعد الله عز وجل .صرنا غُرباء عن مفردات الواقع وأدواته التي باتت شرسةً مسعورة . تسمرت قدماى حيث أقف . أنظر يميناً ويساراً باحثاً عن الماضي . مستنجداً بذكراه الطيبة . فكم كان أصيلاً حانياً علينا . ودوداً معنا . أنصت إلي كل صوتٍ أسمعه . أدقق النظر في كل شخصٍ أراه . أتضور شغفاً للمسةٍ حانيةٍ من أمي كفيلةٌ الآن أن تزيح كل قسوة العالم . أتشوق لكلمة ( عيب ) من أبي كفيلةٌ الآن أن تمحو كل وقاحة العالم .
ولما لم اجد . قررت أن أستدير . أن أنسحب . حاملاً في يدى حقيبةً بالية . أبلاها طول الترحالٍ وكثرة السفر . تحمل بعض أيامٍ أو أسابيعَ أو شهور باقياتٍ . والله أعلم بما فيها . عُدت أدراجى إلي حيث أتيت . تحادثنى نفسي وأحادثها . هامسةً في أذني :
عُد : فأن تكون غائباً على قيد الأصالة والقيم . أفضل من أن تكون حاضراً علي قيد القبح والإسفاف ..
عُد : فأن تكون غائباً على قيد ماضٍ أصيل . أفضل من أن تكون متواجداً على قيد حاضرٍ فقد هويته ومعناه ..
عُد : فأن تكون غائباً علي قيد دنيا ( كانت ) . أفضل من أن تكون
حاضراً على قيد غابة ….
































































