الشعبوية الأمريكية كأداة للحفاظ على الهيمنة: قراءة في سياسات الولايات المتحدة
إعداد: علا عطية البربري
باحثة دكتوراة
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية ، جامعة الإسكندرية
ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة الراهنة لا يمكن فهمه باعتباره تحركات فردية نتيجة لظرف عابر أو ردود أفعال معزولة
بل يندرج في إطار سعي استراتيجي ممنهج للحفاظ على مكانتها كقوة مهيمنة على النظام الدولي.
وفي هذا السياق، يتصدر احتواء صعود الصين أولويات السياسة الأمريكية، لا سيما من خلال التحكم في موارد الطاقة التي تشكل شريانًا حيويًا للاقتصاد الصيني
سواء عبر الضغط المباشر على دول منتجة مثل فنزويلا وإيران، أو عبر إعادة تشكيل موازين القوة في منطقة الشرق الأوسط.
ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن النظام الدولي يشهد مرحلة متقدمة من دورة الهيمنة، حيث تقترب القوة المهيمنة من نهايتها النسبية
وتلجأ إلى أدوات غير تقليدية لإطالة عمر تفوقها في عالم باتت فيه الحروب تأخذ أشكالًا جديدة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة.
المحور الأول: دورة الهيمنة في السياسة الدولية وتحول أنماط الصراع
تمر الهيمنة الدولية بمسار تاريخي؛ يبدأ هذا المسار بصعود قوة فائزة (أو عدة قوى)
تتمتع أولاً بقدرة عسكرية رادعة، وتمتلك ثانيًا المقدرة على نشر إيديولوجيتها الحضارية وقيمها السياسية على نطاق عالمي.”غير أن هذه المرحلة لا تدوم؛ إذ سرعان ما تظهر قوى صاعدة تنازع الدولة( أو الدول) المهيمنة على نفوذها فتدخل الأخيرة مرحلة الإنهاك النسبي وتراجع القدرة على الضبط الشامل.
في هذه المرحلة، تصبح الصراعات أكثر حدة، وغالبًا ما تنتهي بتحولات كبرى في بنية النظام الدولي، سواء عبر حروب كبرى أو إعادة توزيع مراكز القوة.
فاليوم، يبدو العالم وكأنه يقف عند المرحلة الأخيرة من هذه الدورة، لكن الحروب لم تعد تقليدية. فقد اتخذت أشكالًا جديدة، من بينها:
الحروب الاقتصادية والتجارية، والحروب التكنولوجية والرقمية،والأوبئة والفيروسات ذات الأثر الجيوسياسي، مع التدخلات غير المسبوقة في الشؤون الداخلية للدول،والانتهاكات المتكررة للقانون الدولي دون محاسبة فعالة.
المحور الثاني: الولايات المتحدة، الصين، واستهداف المنطقة العربية
في هذا السياق، تتبنى الولايات المتحدة منطقًا صفريًا يمكن تلخيصه في معادلة: “إما البقاء مهيمنة أو مواجهة الانهيار” وهو ما يفسر تبني خطاب شعبوي وسياسات شعبوية تقوم على أولوية المصالح الأمريكية المطلقة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار النظام الدولي أو أمن مناطق بأكملها.
وتبرز المنطقة العربية بوصفها ساحة مركزية في هذا الصراع، نظرًا لما تمتلكه من موارد طاقة استراتيجية تشكل عنصرًا حاسمًا في معادلة القوة العالمية لا سيما بالنسبة للصين وشركائها. ويتقاطع هذا الاستهداف مع الدور الإسرائيلي في المنطقة
سواء من خلال إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية أو المساهمة في تأمين الهيمنة الغربية على الموارد ومسارات الطاقة.
أمام هذا الواقع تتجه بعض الرهانات نحو الصين وشركائها كقوة موازنة محتملة، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الهيمنة الأحادية يحمل في طياته مخاطر جسيمة على أمن المنطقة العربية ومستقبلها السياسي والاقتصادي.
جملة القول
في ضوء ما سبق، يتضح أن ما يشهده النظام الدولي الراهن لا يمكن اختزاله في أزمة عابرة أو صراعات إقليمية معزولة، بل يعكس مرحلة متقدمة من إعادة توزيع القوة العالمية في ظل تراجع نسبي للهيمنة الأمريكية وصعود قوى منافسة، وعلى رأسها الصين. غير أن هذا التحول لا يجري في فراغ
بل تصاحبه محاولات حثيثة من القوة المهيمنة لإطالة أمد سيطرتها عبر أدوات ضغط متعددة الأبعاد.
وتُجسّد كلٌّ من فنزويلا وإيران نماذج كاشفة لهذا النهج؛ إذ تمثل الدولتان حالات نموذجية لكيفية توظيف العقوبات الاقتصادية، والعزل المالي، والضغط السياسي
بهدف إخراج موارد الطاقة من معادلة الشراكات البديلة التي قد تخدم الصين وحلفاءها.
فالمسألة هنا لا تتعلق بسلوكيات داخلية أو ملفات نووية فحسب، بقدر ما ترتبط بموقع هاتين الدولتين في خريطة الطاقة العالمية وقدرتهما على توفير بدائل استراتيجية خارج دائرة النفوذ الأمريكي.
وفي السياق ذاته تشهد أمريكا اللاتينية عودة واضحة إلى واجهة الصراع الجيوسياسي
بوصفها فضاءً غنيًا بالموارد الطبيعية ومجالًا تقليديًا للنفوذ الأمريكي، تسعى واشنطن إلى إعادة ضبطه ومنع تحوله إلى ساحة نفوذ صيني–روسي متنامٍ. وهو ما يفسر تصاعد التدخلات السياسية والاقتصادية
ومحاولات التأثير في الخيارات السيادية لدول المنطقة، تحت عناوين متعددة.
وعليه، فإن ما يربط بين الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، وإيران وفنزويلا، ليس تباعد الجغرافيا
بل وحدة الوظيفة في معادلة الصراع على الهيمنة؛ حيث تُستهدف مناطق الطاقة والموارد الحيوية بوصفها مفاتيح التحكم في مسارات الصعود العالمي. وفي هذا الإطار
تبدو المنطقة العربية جزءًا لا يتجزأ من مسرح صراع دولي أوسع، تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وتُختبر فيه حدود القانون الدولي ومعايير السيادة.
إن إدراك هذه الترابطات البنيوية يظل شرطًا أساسيًا لفهم طبيعة المرحلة المقبلة
التي لن تُحسم فقط بمن ينتصر عسكريًا، بل بمن ينجح في التحكم في الموارد، وشبكات الطاقة، ومسارات التجارة العالمية، في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو تعددية قطبية لم تتبلور ملامحها النهائية بعد.

































































