حكاية الشوكولاتة
تقرير: أسامة حراكي
إذا كان ملك التشويق ألفرد هيتشكوك قد استخدم شراب الشوكولاتة في تتويج مشاهد سينمائية رائعة، فإن الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا كتب يقول: “ليست هناك فلسفة ما وراثية على وجه الأرض مثل الشوكولاتة”.
في أعياد الحب يكون معظم ما يقدمه الأحباء لأحبابهم هي باقات الورود وخاصة الورد الأحمر، فالأحمر هو اللون المعبرعن الحب والدفء، نراه يفيض دفئاً وحياةً، وهنالك البعض الذين يقدمون الورود ومعها الشوكولاتة أو الشوكولاتة وحدها.
تعتبر الشوكولاتة من الأطعمة المستساغة والشهية التي يتناولها الجميع في كل الأوقات، فبعد أن كان سائداً أن الشوكولاتة مضرة بالصحة، أثبتت الأبحاث الطبية والعلمية مؤخراً أن للشوكولاتة فوائد كبيرة على المستويين النفسي والعضوي لاحتوائها على عناصر مهمة كالحديد والمغنسيوم والكالسيوم ومضادات التأكسد، إضافة إلى عناصر أخرى مفيدة، وأكد الباحثون في جامعة كاليفورنيا أهمية “الفلافونويدس والأولويك” الموجودين في الشوكولاتة ودورهما في الحد من أمراض الأوعية الدموية، فعندما نضع الشوكولاتة في فمنا، ونجلس بطريقة مريحة، ونتركها تذوب بعبيرها الطيب، فالشعور الذي ينتابنا من تناولها ورائحتها تعطينا الإحساس الرائع بالسعادة والرفاهية والترف .. إنها لاتستمر طويلاً، وهذا هو السبب الذي يدعونا إلى عدم مضغها، فتأثير الشوكولاتة يشبه التأثير الكيميائي الذي يحدث للعشاق في حالات الحب الرومانسي، بالإضافة إلى أن الشوكولاتة تؤثر في المناطق الموجودة في المخ الخاصة بتحريك وإثارة المشاعر الراقية، والإحساس بالرضا عن الذات، وعلاوة على طعمها اللذيذ الذي يعشقه الجميع، فمزايا الشوكولاتة لا تنحصر في المذاق، بل تتعدى ذلك لتستفيد بشرة الجسم من فوائد مكوناتها على شكل معالجة فاخرة باستخدامها في التدليك.
والشوكولاتة عرفت لدى قبائل “أوملك” الذين سادوا حضارة ساحل خليج المكسيك من 1500 سنة قبل الميلاد، ومنهم قبيلة “المايا” الذين أطلقوا عليها اسم “كاكاو” كانت تشرب ولا تؤكل، ودلت الرسومات والكتابات القديمة المنحوتة على أثارهم، على اهتمامهم بزراعة واستهلاك هذا المشروب، الذي وصفوه مشروب الآلهة،على الرغم من مرارته، حيث لم يكن السكر قد اكتشف بعد، وظهر هذا المشروب لأول مرة في أوروبا في عام 1544 عن طرق وفد من نبلاء “المايا”.
وفي بداية القرن السادس عشر دخل السكر في إعداد المشروب، وبعد فترة أصبح متاحاً للشعب بعد أن كان حكراً على الأمراء والقادة والملوك، وتحول اسمه إلى شيكو ومع مرور الوقت بدأ تطويره بإضافة نكهات له من الزهور والبهارات، واكتشفوا أنها تخفي طعم السم من دون أن تترك أثراً، وفي عام 1849 ظهرت أول قطعة صلبة تؤكل وتحول الاسم إلى الشوكولاتة، وأول علبة شوكولاته صنعها آل “كادبوري” وحملت اسمهم.
ينمو شجر الكاكاو في المناطق التي تبعد عشرين درجة عن خط الاستواء وعلى ارتفاعات لا تتعدى 300 متر وتحتاج إلى ظل دائم ورطوبة متواصلة وحرارة لا تنخفض عن ست درجات مئوية، حيث تتطلب زراعتها وجود جو دافىء رطب، ورعاية متواصلة لحمايتها من أوبئة مفاجئة قد تقضي على مزارعها في أسابيع قليلة، كما أن الجراب الذي يحتوي على حبوبها وينمو على جذوعها ينبغي حصاده بطريقة خاصة تحمي البراعم المجاورة التي ستثمر في الموسم المقبل، وتعتبر ساحل العاج وإندونيسيا وغانا ونيجيريا اليوم من أكبر المنتجين للكاكاو، وعلى الرغم من أن ظروف زراعتها تتوافر فقط في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن أماكن استهلاكها وتصنيعها الرئيسية، فقد خاض الإنسان حروباًعديدة من أجل السيطرة على مناطق انتاجها، وأدى بعض تلك الحروب إلى القضاء على حضارات ازدهرت قروناً، وفناء شعوب كثيرة.
ومع تطور طرق تصنيع تلك الحبوب وإنتاج أشكالها المختلفة التي نعرفها اليوم، وتطور طرق استهلاكها مع مرور الزمن وتقدم الصناعة، أصبحت الشوكولاتة أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، حيث يفوق الاستهلاك العالمي من حبوب الكاكاو 6000000 طن سنوياً وينفق المُستهلك أكثر من 20 مليار دولار سنوياً على الشوكولاتة.
وعن طريقة صناعة الشوكولاتة : تقطع الثمار من أشجار الكاكاو وتفتح وتستخرج منها البذور التي تترك لتجف، ثم مرحلة التنظيف ثم التحميص ونزع القشرة الخارجية، ثم استخرج النواة أو حبيبات الكاكاو الشبيهة بحبيبات بذور البن، ثم تطحن الحبيبات للحصول على زبدة الكاكاو، وتساعد الحرارة أثناء الاستمرار في الطحن على انسياب هذا الخليط الناعم المعروف باسم خام الشوكولاتة أو الشوكولاتة الخام، وللشوكولاته أنواع تقسم حسب استخداماتها ومنها: الشوكولاتة المرة “الخام” وتستخدم في المقام الأول للخَبز، والشوكولاتة نصف المحلاة وتستخدم أيضاً في الخَبز، والشوكولاتة بالحليب “عبارة عن زبدة الكاكاو المضاف إليها السكر مع الحليب والفانيليا”، والشوكولاتة البيضاء كشوكولاتة الحليب تتكون من زبدة الكاكاو وليس الشوكولاته الخام، إضافة إلى السكر والحليب والفانيليا، ولا تعتبر شوكولاتة لعدم احتوائها على خام الشوكولاتة، وهناك بعض الشركات التي تستخدم الدهن النباتي المهدرج عوضاً عن زبدة الكاكاو، لذا يراعى قراءة المكونات قبل الشراء، ويعتبر السويسري “هنري نستله” هو أول من صنع شوكولاتة الحليب، عندما أضاف الحليب المكثف إلى قطع الشوكولاتة، بينما اعطى “رودولف ليندت” السويسري للشوكولاتة الملمس الناعم.































































